المحقق البحراني
185
الكشكول
الكرم والتيه منه وكان ذلك في أيام المهدي وقال المهدي لمن يطالبه أن أدى المال قبل يومنا هذا وإلا فاتني برأسه ، وكان المهدي مغضبا عليه . وعمارة المذكور من أولاد عكرمة مولى ابن عباس ، وكان كاتب المنصور وكان تائها معجبا كريما بليغا فصيحا أعورا ، وكان المنصور وولده المهدي يقدمانه ويحتملان أخلاقه لفضله وبلاغته ، وولي لهما الأعمال الكبار . لمجنون قيس العامري : روت لي أحاديث الغرام صبابة * بإسنادها عن جبيرة العلم الفرد وحدثنا مر النسيم عن الصبا * عن الدوح عن وادي الغضى عن ربا نجد عن الدوح عن جفني القريح عن الجوى * عن السوق عن قلبي الجريح عن الوجد بأن غرامي والأسى قد تحالفا * على تلفي حتى أوسد في لحدي الفارابي في مجلس سيف الدولة نادرة لطيفة ورد أبو نصر الفارابي إلى دمشق على سيف الدولة - وهو إذ ذاك سلطانها - فلما دخل عليه وهو بزي الأتراك وكان ذلك زيه دائما وقف فقال سيف الدولة : اجلس . فقال : حيث أنا أو حيث أنت ؟ فقال : حيث أنت ، فتخطى رقاب الناس حتى أقبل إلى مسند سيف الدولة وزاحمه فيه حتى أخرجه عنه ، وكان على رأس سيف الدولة مماليك وله معهم لسان خاص يساورهم به ، فقال لهم بذلك اللسان : إن هذا الشيخ قد ساء الأدب وإني مسائله عن أشياء لم يعرف بها اخرقوا به . فقال له أبو نصر : أيها الأمير اصبر فإن الأمور بعواقبها . فتعجب سيف الدولة منه وعظم عنده ثم أخذ يتكلم مع العلماء الحاضرين في كل فن فلم يزل كلامه يعلو وكلامهم يسفل حتى صمت الكل وبقي يتكلم وحده ، ثم أخذوا يكتبون ما يقوله وصرفهم سيف الدولة وخلا فقال : هل لك في أن تأكل ؟ قال : لا . قال : فهل تشرب ؟ قال : لا . قال : فهل تسمع ؟ قال : نعم ، فأمر بإحضار الفتيان فحضر كل ماهر في الصنعة بأنواع الملاهي فخطّأ الجميع فقال سيف الدولة : وهل تحسن هذه الصنعة ؟ فقال : نعم . ثم أخرج من وسطه خريطة ففتحها وأخرج منها عيدانا وركبها ثم لعب بها فضحك كل من في المجلس ، ثم فكها وركبها تركيبا آخر فبكى كل من في المجلس ، ثم فكها وغير تركيبها وحركها فنام كل من في المجلس حتى البواب ، فتركهم نياما وخرج . وهو الذي وضع القانون وكان لا يجالس الناس ، ومدة إقامته بدمشق لا يكون غالبا إلا عند مجتمع المياه ومشتد الرياض ، وكان يؤلف كتبه هناك ، وكان أزهد الناس في الدنيا ، وكان مقرره من بيت المال أربعة